برنارد ويتمان
رسائل من كردستان
1954- 1963
ترجمة: غسان نعسان
مراجعة ماموستا جعفر
مكتب الفكر والوعي للاتحاد الوطني الكردستاني
السليمانية
تصميم داخلي والغلاف: اميره عمر
طبع:مؤسسة حمدي للطباعة والنشر
العدد:(2000) نسخة
لسنة 2009
شكر المترجم غسان نعسان الاخ ملا بختيار الذي تكرم باهدائه النسخة الالمانية لهذا الكتاب، املا منه ترجمته الى العربية. وللاخ ماموستا جعفر الذي تبنى مشروع طبعة الترجمة العربية على نفقة مكتب الفكر والوعي، الذي هو المسؤول عنه.
*هذا الكتاب ليس سياسيا رغم انه يتحدث عن كردستان، هكذا تقول ناشرة رسائل والدها في مقدمتها. اذا هل يستطيع من يكتب عن كردستان ان يكتب في الواقع عن السياسة فقط؟
تمكن الكاتب حتى منتصف الكتاب تقريبا من التعريف بالبلاد والناس بحماس واستلطاف. وفيما بعد تمكنت السياسة من السيطرة عليه. في خضم الارتباك الذي سببته الثورة في العراق التي اطاحت سنة 1958 بالملكية الهاشمية، وفي الفوضى السياسية التي احدثتها انهيار مشروع المهندس لبناء الجسور والطرقات ايضا، وتحتم عليه ذاته مغادرة البلاد على جناح السرعة.
هكذا يظهر الان تقريبا فيما بعد لدى رؤيته من خلال نصف قرن سقوط الملكية وانسحاب الانكليز من البلاد التي صنعوا منها "العراق" بعد الحرب العالمية الاولى، انفلتت حرب اهلية من عقالها، ليس فقط بين الحكومة المركزية في بغداد والكرد، وانما ايضا بين التجمعات السياسية العربية والجيش والاحزاب، اضافة الى ممثلي قوى خارجية مختلفة. فقط بعد ان استولى حزب البعث على السلطة سنة (1968) ساد هدوء القبور بعد مرحلة طويلة من الازمات، ذالك الهدوء الذي جعل رئيسا امريكيا يقع الوهم ان بامكان المرء ببساطة ازاحة نظام ديكتاتوري ثم خلق نظام ديموقراطي من جميع المواطنين الذين ينتمون الى اعراق واديان مختلفة.
*برنارد ويتمان كان صديق الكرد وقد مارس عمله بينهم. وهو يحب حسن ضيافتهم ونزعتهم الى الحرية. ولكن هذه المحبة جعلت منه مراقبا سياسيا ايضا. الكرد"في الواقع لا يرغبون ان تكون لهم علاقة بالعراق"
تورط الكرد مع الانكليز عندما رضوا بالمسير معهم، وكانت النتيجة انهم ظلوا اسرى الكيان العراقي حتى الهزة الاخيرة التي تعرض لها. ويتمان كان يتفهم ان "الكرد يريدون دولتهم الخاصة بهم". وكان ينبه زوجته وابنته في رسائله اليهما الى ان تتذكر اسم الملا مصطفى البرزاني جيدا.
ابن مناضل الحرية الاسطوري هذا اصبح اليوم رئيس (كردستان-العراق) التي تتمتع في الواقع باستقلالية واسعة المدى، حتى وان لم ينطق مسعود الرزاني بذالك علنا مراعاة لدول الجوار التي لديها "مشكلة كردية"
هناك ضاهرة مرفوضة اخرى استفحلت بعد سقوط الديكتاتورية البعثية. كان ويتمان شاهدا ذات مرة على حادثة ضرب مجموعة من المسلمين لرجل مسيحي. هذه المشاحنات اليومية ازعجته واغضبته جدا بالطبع وحدت به الى النداء: " لا يمكنك تصور هذا العداء بين هذين الدينين على الاطلاق". صحيح انه لم يكن هم جميع المسلمين الذين شرعوا بعد سقوط الديكتاتورية بقتل المسيحيين وتدمير الكنائس، بل جماعات من المتطرفين الراديكاليين. وقد تعايشت عبر قرون طويلة الاغلبية المسلمة والاقليات المسيحية، وهذا ما رصدته ملاحظات ويتمان. ولكن هذه المرحلة ايضا تتيح للمرء ان يتعرف على مدى التمزق الذي كان المجتمع العراقي ولا يزال يعاني منه. فيما يخص ذالك يقف ويتمان بعيدا جدا عن القاء التهم على طرف دون الاخر: "سلوك المسيحيين فيه مبالغة في الترفع والغرور، وهذا ليس بالسلوك الراقي.."
يبدي ويتمان ملاحظاته السياسية بطريقة اقرب منها الى الجانبية، فتبدوا كانها منتوج ثانوي لاحتكاكه اليومي بالناس الذين يشاركونه حياة العمل، فيراهم اقرب الى الواقعية. ربما يثير الاستغراب ان الحديث هنا لا يجري حول ما يحصل اليوم من امور لا يمكن القبول بها بين الشيعة واهل السنة. ربما يعود سبب هذا الى عدم تلمس ذالك بشكل مباشر في الجبال الكردية. ولكن من المؤكد ايضا ان الطريقة التي جرى بها تحرير العراق ساهمت في اندلاع توترات كامنة لازمات مفتوحة سوف تلقي اليوم بظلالها على مستقبل البلاد.
*ويتمان صديق الكرد والمساعد المتحمس في البناء سوف تملئه كردستان اليوم بالرضا. ليس فقط لان رئيس جمهورية البلاد، كردي. منذ بداية التسعينات ثبت الكرد منطقتهم سياسيا، كما بنى الكرد البنية التحتية المؤسساتية والثقافية بشكل منهجي. اذا لقد تم استكمال مشروعه. انطلاقا من التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق وكي لا يتعرض مستقبله مرة اخرى للتهديد، يجب على المانيا ايضا، وهي بامكانها ان تمد يد العون كما يتمنى رسولها ويتمان.
*هذا الكتاب ليس سياسيا رغم انه يتحدث عن كردستان.
ذكر في رحلته الاولى في عالم الكرد البريين ان هذا اليوم اتيح لنا رؤية الكرد من ناحية لم يتحدث عنها الاعلام في الغرب ابدا. حسن الضيافة النابع من القلوب الدافئة لدى هؤلاء البشر اثلجت قلبي وغمرتني. اثناء طريق العودة لم تتوقف بيننا التعبيرات عن الاثر الطيب الذي تركته هذه الزيارة في نفوسنا جميعا. طوال مسافة الطريق البالغة(60) كم جهزت طيور سنونو نفسه على كل عمود اسلاك التلفون طير سنونو لقضاء ليلتها، منظر رائع.
نعم،نعم يا اعزائي، انا اتامل كل شئ واصيغ عباراتي واكتب لكم شئ في ادق التفاصيل. ارجو ان تلاقي تقاريري المفصلة لكم اهتمامكم. يوما ما قد اقدم لكم ملخصا عن العادات والتقاليد الكردية. يهمني جدا ان اتقاسم معكم كل ما اعيشه بما اننا يعيش كل منا بعيدا عن الاخر.
*تعرف على كلمة "ره شه با" وهي عاصفة صحراوية قوية جدا. انها حارة كالحميم وتحمل معها الرمال وكل انواع الحشرات الممكنة.
*عرض عليه الزواج عندما كان مدعوا للطعام في بيت شيخ قرية ميره دي. لم تكن لديه ادنى فكرة عن نوعية العرض السخي الذي سوف يعرض عليه فاجابهم (شيخ ميره دي، يشرفني الى اقصى الحدود عرضك هذا، ولكنك تعلم اني من المانيا، وهناك زوجتي ايلا وابنتي بيرا) لم يتمكن من ادراك عدم قبولي في الحال بعرضه الكبير، فاردف قائلا:( زوجة واحدة (باش نيه = سئ ثلاث زوجات(زور باش) = افضل كثيرا.
*حيث ذكر في الدعوة الاولى لدى الكرد
وضعوا امامنا جميع اصناف الطعام: بندورة مقلية وطازجة، لحم ماعز وغنم، كبدة ودجاج وبط واوز وبطيخ اصفر وعنب وتين، ومن الشراب كانت توجد بيرة المانية وبيرة عراقية من صنف (فريدا)، وال(دو) الكردي(اللبن الرائب بالعربية- المترجم) والليمونادا وانواع مختلفة من الويسكي والصودا وما شابه ذالك.
*كلما جلسنا عند صديقي الاغا في الحديقة حدثني دائما عن شعبه والاعتزاز يشع من عينيه. تعود حضارة الكرد الى التاريخ القديم، حتى يمكن القول ان هذه الحضارة هي اقدم من الحضارة السومرية مع الشخصية الاسطورية جلجامش ملك اوروك، انها تعود الى(3000) سنة قبل الميلاد المسيح. كتبت الاساطير والملاحم التي تتحدث عن نشوء الشعب الكردي بالتفصيل الدقيق، من اجل ان تطلع عائلتي ايضا على هذه الاساطير والملاحم، وهذا ايضا يثير اعتزازي صديقي الاغا: (كان يوجد في قديم الزمان ملك ظالم ومستبد اسمه الضحاك من بلاد شهرزور. كان الملك الضحاك يعاني من مرض مريع: لقد نما على كل كتف من كتفيه ثعبان او تنين. من اجل تهدئة تلك الوحوش وجب عليه ان يقدم لها يوميا دماغ طفلين لتلتهمه. اصاب الياس والحيرة رعيته، لانه لم يعد هناك اطفال. فلجؤوا الى الحيلة: بدلا من ادمغة اطفالهم راحوا يذبحون الخرفان الصغيرة ويطعمون الثعابين والتنانين ادمغتها. الاطفال الذين جرى انقاذهم بهذه الحيلة كانوا يرسلونهم الى الجبال، الموطن الحقيقي لكل كردي، فكانوا يعيشون هناك بامان. وهذه كانت بداية تشكيل الشعب الكردي.
في هذه البلاد، شهرزور، كان يعيش كاوة الحداد وكان موضع احترام وتقدير. وجب عليه التضحية بثمانية من اطفاله. وبدون رحمة سلبوه ايضا الطفل التاسع والاخير. كان هذا الاضطهاد والذل اكبر من ان يتحمله كاوة الحداد. تمكن من حشد الجماهير، واجتاحوا معا قصر الطاغية. كان كاوى شخصيا هو من قتل الملك الضحاك بضربة من مطرقة الحدادة خاصته. وخلص بذالك شعبه من هذا الشريرة)
حدث كل ذالك في (21) اذار في السنة (1234) قبل الهجرة اي ما يعادل تقريبا(612) قبل الميلاد. عندما هوجمت العاصمة الاشورية ودمرت. كان المهاجمون هم الميديين، الذين يتكلم الكرد حتى اليوم لغتهم. هكذا تروي الاسطورة.
*كلما ذهبت الى السليمانية، ارى فيها صور البؤس: الاف النساء والاطفال يهرعون مع العلب الصفيحية الى محطات الوقود، وهم ياملون الحصول على الكاز، لكنهم لا يجدوا شيئا هناك. السوق السوداء في انتعاش. انا ذاتي لم يعد لدي سكر. التاجر ساكو يريد غدا مقايضة بعضا منه لقاء الكاز.
*على لسان المترجم
كان المهندس الالماني برنارد ويتمان، الاسير السياسي السابق في معسكرات الاعتقال النازية، يبني الطرقات والجسور في كردستان. بذات الوقت كان يوطد علاقات صداقة ومودة وتاييد للكرد. عايش الاضطرابات السياسية في العراق: سقوط النظام الملكي وعهد الزعيم عبد الكريم قاسم وما تلاه من انقلابات عسكرية. رغم وقوعه بين الجبهات خلال سنوات ثورة ايلول الكردية بقيادة الزعيم، الذي يصفه في رسائله ب"الزعيم الاسطوري"، ملا مصطفى برزاني، والمعاناة والخوف والقلق على حياته وحياة زملاءه الالمان، فقد ظل حتى اخر لحظة اثناء السنوات العشر التي قضاها في كردستان وفيا للشعب الكردي ومفتونا بطبيعة كردستان الخلابة. رغم ميله الى- وصداقته مع الكرد وتاييده لمطالبهم العادلة، الا ان حياده كان واضحا ما بين الكرد والعرب. نبذ سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة تجاه مطالب الشعب الكردي التي تجلت بالقتل والاعتقالات وتدمير القرى الكردية وحرق حقول الفلاحين، وتمنى ان يسود السلام والاخاء بين شعبين يتشاركان في العيش جنبا الى جنب عبر التاريخ.
بابەتی زیاتر