النازية
 دراسة في الفكر السياسي الالماني
الحديث والمعاصر
تاليف:م.احسان عبد الهادي سلمان
منشورات اكاديمية التوعية وتاهيل الكوادر
السليمانية- لسنة 2013
رقم الايداع في المديرية العامة للمكتبات العامة (1135) لسنة 2013
عدد النسخ:(2500) نسخة
التصحيح:محمد عمر
التصميم والغلاف: جوان قادر صوفي
رقم السلسلة (67)
المقدمة
لقد ظهرت الاشتراكية القومية (النازية) على مسرح السياسة القومية والدولية كتعبير عن الخصائص الرئيسة لفلسفة الجرمان السياسية. وظهرت لتحارب وتنتزع لللالمان مغانم جديدة وتعوضهم عن الخسائر القديمة. وهي كقوة محاربة تركت في تاريخ العالم المعاصر طابعا لن تستطيع محوه الايام، من ناحية صراعها الايدولوجي والسياسي والعسكري. فلقد التحمت منذ البداية في معركة فكرية مع الديموقراطية والشيوعية وهادنت في الوقت نفسه الفاشية.
وفي الواقع انها نمت في العهد الذي اعقب الحرب العالمية الاولى وكانت شاهدا على الماسي التي جرت على الالمان والعالم باجمعه، الا انها قامت كحركة احتجاج على اثار تلك الحرب المتمثلة في معاهدة فرساي، ومخاطبة للسخط المتعدد الجوانب الذي ساد البلاد، وامل في الوحدة والاستقلال والرفاهية والتوسع، ولم تتردد النازية في اعلانها ان العنف هو وسيلتها لبلوغ ماربها في الداخل والخارج وتنظيم العالم تنظيما يكفل لها السيادة لالف عام.
وتكمن اهمية الموضوع في ان الاشتراكية القومية (النازية) كانت دعوة جذابة لملايين الالمان، اذ بدت كانها المجال الوحيد الذي يلتقي في رحابه ذالك الشعب الممزق من الناحية السياسية والقومية والاجتماعية، بعدما قدمت مبدا الدم كاساس يلتقي عنده الالمان ويحس معه بالتماسك والعصبية والوحدة، واتفقت في هذا مع تراثها التاريخي والفكري الذي يمجد سمو العنصر الجرماني وتفرده بالقدرة على خلق الثقافة وحملها على مر الزمن، وانه هو العنصر الذي يمتلك القوة الخلاقة، ومن ثم فالارض للصفوة من الشعوب.
*ان الاشتراكية القومية الالمانية والمتمثلة بالحزب الاشتراكي العمالي القومي الالماني والذي يعرف باختصار ب(النازية) تشير الى مذهب سياسي واجتماعي نادى به هتلر وتبناه حزبه.
*من خلال الاستعراضات السنوية للحزب النازي، كانت تباع صورة(بوست كارت) تظهر فيها وجوه(فردريكالاكبر وبسمارك وهندنبرك وهتلر)، وقد كتبت في اسفلها العبارة التالية: ما فتحه الملك، صاغه الامير، ودافع عنه الفليد مارشال، وانقذه ووحده الجندي . وهكذا كان هتلر الجندي لا كمنقذ وموحد لالمانيا فقط، بل كخليفة لهؤلاء الاشخاص المشهورين الذين جعلوا البلاد تصل مراقي العظمة.
*حلت النوازل بكل وطاتها على المانيا في مطلع القرن السابع عشر، بعد ان عم التدهور الاقتصادي، وساد الشعور بالخيبة السياسية ووقعت في تلك الفترة الممتدة ما بين 1618و 1648 حرب الثلاثين عاما، التي خسرت فيها المانيا ثلث شعبها.
*كان احد اسباب نجاح النازية في الاستيلاء على مقاليد الحكم في المانيا، هو انها تمثل طريقة للحياة العامة والخاصة تتجاوب وعصر الازمة الممتد بين الحربين العالميتين، وتخاطب في الوقت نفسه التراث الالماني الذي يجمع في اطاره من النظم والتقاليد والمبادئ ما يعتمد على الاسلوب البروسي في الحكم وعلى الفكر الالماني في وجوهه المتعددة.
*ان كانت النازية قد وجدت من انماط السلوك البروسي ومثله قدوة تحتذي في مجال السياسة العملية، الا انها نسجت مقومات مذهبها الايديولوجي من تراث المانيا الفكري كما يتمثل في دعوات فلاسفتها وكتابها.
*اذا كان (فيتشه) قد امد القومية الالمانية بنظرتها الاولى،فان (هيغل) لم يقف عند التصور الذي رسمه (فيتشه) للدولة القومية بل دفع به في ظل المثالية المطلقة الى نهايته المنطقية واضاف بهذا بطريقة غير مباشرة للتراث الجرماني الذي تتوج باقامة النظام النازي.
*ان الجذور الفلسفية للاشتراكية القومية لا تقف عند (فيتشه) و(هيغل)، بل تمتد الى ما قبلهما وما بعدهما من حيث المصادر التي استقيا منها تفكيرهما، والاتباع الذين اتخذوا منهما بدورهم مصادر لارائهم القومية، في ضوء وحدة التجربة الالمانية وهي تحاول الخروج من مرحلة الوعي الى مجال التنفيذ.
*لقد اخذت عناصر الفكر السياسي الالماني التي تدثرت عند الفلاسفة والمفكرين الرومانتيكيين في اواخر القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر بدثار من الميتافيزيقية والرومانسية لتستبدل به في النصف الثاني من القرن التاسع عشر منهجا واضحا صريحا واسلوبا مباشرا، وظهر ذالك جليا في كتابات مؤرخي المدرسة البروسية مثل( ترايتشكه)، الذي كان مؤرخا لكنه لم يقف عند تسجيل حوادث الماضي، وانما اتخذ من دراسة التاريخ وسيلة للتنبؤ وتوجيه المستقبل لبلاده وامته. وجمع بذالك في عمله بين منهج المؤرخ ومنهج عالم السياسة.
*لقد ظهرت النازية في اخر الامر على مسرح السياسة القومية والدولية منتصرة كتعبير قوي متكامل عن الخصائص الرئيسية لفلسفة الجرمان السياسية. وظهرت لتكافح وتحارب وتنتزع للالمان مغانم جديدة وتعوضهم عن الخسائر القديمة. كما انها عملت على تحويل نظر الجماهير الالمانية عن الاشتراكية التي كانت سائدة في ظل جمهورية(فايمار). وتتلخص مبادئ النازية وشعاراتها في كتاب هتلر والذي بعنوان(كفاحي) على تفوق العنصر الاري الجرماني القادر على تنظيم دولة قوية(المانيا فوق الجميع).
*ان اراء هتلر الاساسية تكونت لديه في السنوات الاولى من عقده الثالث في فينا. وعندما كان في الثالثة والعشرين كان الشعور القومي الالماني يلهب كيانه ويملك عليه مذاهبه وفي نفسه كره عميق للديمقراطيين والماركسيين واليهود مع ايمان ثابت لا يتزعزع بان العناية الالهية اختارت الاريين(لا سيما الالمان) ليكونو اسياد العالم.
*في المجال الدولي طرحت النازية ثلاث مبادئ، هي تحطيم القيود التي فرضتها معاهدات الصلح التي جرت بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، ووحدة الالمان، والمجال الحيوي. فقد اعتبرت النازية ان معاهدتي فرساي(تخص المانيا) وسان جيرمان(بخصوص النمسا) بمثابة اذعان وفرضت على المانيا والنمسا بالقوة ويجب التخلص منهما، وهذا هو ما حدث بعد استلام النازية السلطة.
*في ايلول 1938، اعلن هتلر حق تقرير مصير الالمان في السوديت في تشيكوسلوفاكيا واراد ضم كل جيكوسلوفاكيا، فاعطيت لالمانيا حصة كبيرة منها وذالك في مؤتمر ميونيخ في 29 ايلول 1938 ، وانضمت الجيك الى المانيا ودخلت القوات الالمانية براغ.
*في الاول من ايلول دخلت القوات الالمانية بولندا وفي الثالث منه اعلنت بريطانيا الحرب على المانيا ثم تبعتها فرنسا. وبذالك دخل العالم في حرب عالمية ثانية راح ضحيتها الملايين من البشر في انحاء المعمورة، وجلبت معها الدمار والفناء وكانت من اكبر الكوارث التي حلت بالبشرية والتي لا تزال اثارها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية شاخصة الى يومنا هذا، وانتهت الحرب عام 1945 بهزيمة المانيا، ووقعت المانيا معاهدة الاستسلام(معاهدة بوتستدام) وبعد ذالك جرى تقسيمها الى دولتين الى ان تم اعادة توحيدها مرة اخرى عام 1990.
الخاتمة
الاشتراكية القومية (النازية) كانت حزبا سريع النمو والزوال، وتولد من وهن الهزيمة الذي احدثته الحرب العالمية الاولى. واستغل القومية كشعور يستهوي الجميع، كما ان اي حزب يزعم انه راديكالي وشعبي ان يكون اشتراكيا على الاقل بالاسم، لكي يبطل تاثيرات الاحزاب الشيوعية والنقابية. ففكرة حزب ان يكون قوميا واشتراكيا في ان واحد، هي لتكون قادرة على تنمية جميع الموارد وهذا يستهوي ذوي الاجور المنخفضة، كما تستطيع القومية ان تجذب كبار رجال الصناعة والاعمال ممن يرغبون في الخلاص من اي ضغط من جانب العمل، وممن كانوا في حاجة الى تاييد الحكومة. وهكذا اقتربت الاشتراكية الوطنية من حلم سياسي بانها قادرة على ان تعد الجميع بكل شئ لتكون صورة من المثالية تخالف الماركسية وبالضد من الليبرالية . ان فلسفة غرضها السياسي العاجل التوسع القومي بطريق الحرب، ستكون فلسفة مغامر، ويجب ان تضفي قيمة خفية على العظمة القومية لتكون هدف بعيد وبراق، وان تقنع الفرد بان يتقبل النظام والبطولة كغايتين لا حاجة لتحديد غرض عقلي لهما، وان الحياة تسيطر على العقل وليس العقل يسيطر على الحياة، وان الافعال العظيمة في التاريخ لم ينجزها الذكاء، ولكن انجزتها الارادة والبطولة، وان الشعوب لا يحافظ عليها الفكر، لكن يحافظ عليها وترتفع الى مكان العظمة حين تتغلب ارادتها في الوصول الى ارادة القوة، وان السعادة دافع يستحق الازدراء بالقياس الى البطولة والتضحية، والى الواجب والنظام. وان الديمقراطية والحرية والمساواة والحريات المدنية والسياسية التي يوفرها الحكم الدستوري التمثيلي، هي بقايا عفا عليها الزمن من المذهب العقلي الفلسفي، لذالك جاءت الاشتراكية القومية بالدعوة الى(اللامعقولية الفلسفية) هذه اللامعقولية جمعت بين اتجاهين متعارضين منطقيا ومتطابقين عاطفيا، فكانت تمجيد الشعب، وعبادة البطل(الزعيم) او الرجل العظيم. لذالك جاء نظريتها في الجنس (العرق) والمجال الحيوي وارتبطت بكلمة(كائن عضوي) وتطبيقها على الامة، وادخلت مفاهيم الصفوة(النخبة) ومبدا الزعامة على النظرية وعلى راس النخبة الاشتراكية الوطنية يقف الزعيم الذي باسمه يعمل كل شئ وهو مسؤول عن الجميع ولا يمكن مسالته عن افعاله.  

 

بابەتی زیاتر

Copyright © 2024. Hoshyary.com. All right reserved