السياسة الخارجية التركية حيال الشرق الاوسط 1991- 2006
جليل عمر علي
منشورات مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية
السليمانية 2011
المصمم : كمال حامد
*"عد هذا الموضوع جزءاً من بحث أكاديمي يستعرض السياسة الخارجية التركية عبر عدة محاور. وفي إطار رقمنة الأرشيف الورقي للمؤسسة، يضع الإعلام الرقمي لـ "بورد التوعية" جزءاً من هذا البحث بين يدي القراء."
المقدمة
سعت تركيا- لعقود عدة – منذ انشاءها كدولة حديثة، جاهدة الى توطيد علاقتها مع الولايات المتحدة و اوربا سياسيا واقتصاديا وامنيا وثقافيا، في حين لم تهتم- بالمستوى ذاته- بمسالة اقامة علاقات مماثلة مع دول الشرق الاوسط ودول الجوار الجغرافي ولا سيما الدول العربية منها. بل ظلت علاقتها متوترة في كثير من الاحيان وتتسم بالتردد وعدم انتهاج سياسة خارجية بالانفتاح نحو هذه الدول.
ومنذ مطلع عقد التسعينات من القرن العشرين تركت تداعيات حرب الخليج الثانية عام(1991)، واحداث انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وعملية التسوية السلمية للصراع العربي- الاسرائيلي، وبروز النظام الدولي الجديد، ولاحقا في بداية القرن الحادي والعشرين احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها وتداعياتها الكبيرة، تأثيراتها الواضحة على الاوضاع الاستراتيجية في الشرق الاوسط، التي تشكل الدول العربية الجزء الاكبر منها وتشكل تركيا جزءا مهما اخر.
وتعبر الرؤية التركية عن اهتمامها بمنطقة الشرق الاوسط، بالأساس، من منطلق الاستجابة للموقع الجيوسياسي الذي يفرض على تركيا الاهتمام بالبيئة الاقليمية المحيطة كمصدر تهديد لأمنها القومي او لإقامة علاقات اقتصادية ذات فائدة لصالح الوطن او كمجال للحركة والنفوذ الاقليمي والدولي. وضمن هذا المنظور تصبح تركيا معنية بصورة مباشرة باعتباراتها الاقليمية اكثر من ذي قبل، وهو ما يتطلب مزيدا من الانخراط في هذه الاعتبارات.
وفي بداية عقد التسعينات من القرن الماضي كانت المخاوف تجتاح تركيا من فقدان موقعها الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة والدول الغربية عموما، الا ان قيام حرب الخليج الثانية انقذ تركيا من هذه المخاوف وسرعان ما اشتركت ولو بشكل جزئي في الحرب بفتحها المجال الجوي وقواعدها العسكرية امام قوات التحالف الدولي ضد العراق واثبتت انها – تركيا – لا يمكن ان تفقد اهميتها الجغرافية على الرغم من تغير البيئة الدولية من القطبية الثنائية الى القطبية الاحادية. وعلى الرغم من ذالك ادت الحرب الى خسائر كبيرة لتركيا سواء من الجانب الاقتصادي او الامني. ففي الجانب الاقتصادي، كانت حرب الخليج الثانية وما تلاها من حصار اقتصادي سبب خسائر كبيرة جدا وخصوصا الفائدة التي كانت تدر عليها اثر مرور النفط العراقي داخل الاراضي التركية نحو الاسواق العالمية، فضلا عن ان العراق كان بوابة تركيا نحو الخليج العربي وتمر تجارتها البرية داخل الاراضي العراقية نحو تلك البلدان. اما من الناحية الامنية فأحدثت الحرب فجوة امنية داخل الاراضي العراقية اثر سيطرة اكراد العراق على منطقتهم بعد عام(1991)، الامر الذي شكل مخاوف كبيرة لدى تركيا وسبب لها مشاكل لا تحسد عليها منذ ذالك الحين. بحيث تعاني من تنامي نفوذ حزب العمال الكردستاني وجعل المناطق الكردية داخل العراق موطئ قدم لها، واجبرت تلك الظروف تركيا على عدم الوقوف مكتوفة الايدي تجاه هذه المتغيرات الخطيرة بالنسبة لها وقامت تركيا بحملات عسكرية لاجتياح الاراضي العراقية الا انها لم تستطع كبح جماح الحزب( بككة) ، فضلا عن المشاكل التي وصلت الى حد
الانفجار مع سوريا بسبب اتهام تركيا لسوريا باحتضان ودعم حزب العمال الكردستاني داخل اراضيها. اما حرب الخليج الثالثة عام (2003)، اي حرب احتلال العراق، فقد عمقت من مخاوف تركيا تجاه القضية الكردية في ظل تصاعد المطالب الكردية في العراق وتراجع نفوذها في العراق اثر رفض البرلمان التركي والحكومة التركية فتح الجبهة الشمالية واستخدام اراضيها امام الولايات المتحدة وحلفائها في تلك الحرب مما ادى الى فتور في العلاقات التركية مع الولايات المتحدة، فضلا عن المخاوف التركية من احتمال قيام دولة كردية على حدودها الجنوبية، واستغلال اكراد تركيا وحزب العمال الكردستاني هذا الظرف لرفع مطالبهم القومية تجاهها.
وكل ما تقدم، جعل من التوجه التركي حيال ايران ياخذ منحى اخر وهو التنافس بسبب ما مر به الجار العراقي، من اجل بسط النفوذ على منطقة الشرق الاوسط، فضلا عن تنافس البلدين حول الجمهوريات الاسلامية في اسيا الوسطى، والمخاوف الايرانية من الاتفاقية العسكرية التي ابرمتها تركيا مع اسرائيل. الا انها لا تنفي تعاون البلدين وربما تنسيق الجهود، حول الاكراد كمسالة مشتركة بينهما. وعلى صعيد الصراع العربي- الاسرائيلي اتخذت تركيا سياسية غير متكافئة بين الجانبين ففي الوقت الذي استنكرت العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين، قامت تركيا في عام 1996 بتشكيل تحالف عسكري مع اسرائيل الامر الذي احدث ضجة كبيرة بين الدول العربية والاسلامية ضد هذا التحالف وحاولت تركيا التقليل من شان الاتفاق بينهما وعدته غير موجه ضد اي طرف سواء كان عربيا ام غير عربي .
وعلى الصعيد المائي استخدمت تركيا سيطرتها على منابع مياه دجلة والفرات ورقة سياسية للضغط على كل العراق وسوريا لتحقيق مصالحها القومية على الصعيد الامني لإجبار الجانبين على عدم دعم حزب العمال الكردستاني. ومحاولتها مقايضة المياه التركية بالنفط العربي.
واثر المتغير الداخلي وهو فوز حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الاسلامي متزامنا مع متغير اقليمي اخر وهو احتلال العراق، وعدم موافقة البرلمان التركي استخدام اراضيها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها احدث تغييرا واضحا في مسار وتوجه السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الاوسط والدول العربية بشكل الخاص لم يسبق له مثيل من قبل بحيث ادى الموقف التركي من الحرب الى الفتور في العلاقات مع حليفها الولايات المتحدة- كما ذكرنا بشكل غير متوقع وان تداعيات تلك المواقف لا زالت مستمرة على وفق اعتقادنا الى يومنا هذا.
المبحث الاول
التطور التاريخي للسياسة الخارجية التركية
استطاع مصطفى كمال اتاتورك، ان يؤسس الجمهورية التركية الحديثة عام (1923)، بعد حرب استقلال، وتشكلت الجمهورية على اثر زوال الامبراطورية العثمانية التي دام حكمها(600) عام، في بداية الامر كان هدف السياسة الخارجية التركية منذ عام (1923) المحافظة على سلامة الجمهورية وحمايتها، اذ انه خلال الحرب العالمية الثانية اتخذت موقف الحياد وعدم الدخول في الحرب بشكل مباشر وذالك عن طريق اتفاقيات ومعاهدات عديدة ابرمتها تركيا مع الدول المتحاربة. وعند نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت السياسة الخارجية التركية تتجه نحو الغرب بحيث كانت انقرة تامل في استخلاص اقصى الفائدة من هذا التوجه الجديد ولم تكن مهتمة بقضايا الشرق الاوسط.
وسنحاول في هذا المبحث رصد التطور التاريخي للسياسة الخارجية التركية في المطالب الاتية :
المطلب الاول/ نشوء دولة تركيا الحديثة
مرت الدولة العثمانية بتلك المراحل التي وصفها ابن خلدون في مقدمته " النشوء، فالاتساع والتطور، فالاستقرار، ثم الانحدار والانحطاط والتلاشي. وكانت الامبراطورية العثمانية قد وصلت الى اوج قوتها العسكرية وثرائها الاقتصادي ومداها الجغرافي في القرن السادس عشر، لكنها بدأت تواجه مشاكل خطيرة وعلى مختلف الصعد بعد عام( 1638م) اثر فشل حصارها الثاني لفيينا عاصمة الهابسبورك النمساوية، فتراكمت تناقضاتها وتعقيداتها خلال القرنين: الثامن عشر والتاسع عشر، اي : خلال اخطر مرحلة من تكوين الرأسمال المركزي الاوربي في العالم. اذ واجهت الدولة العثمانية مشاكل عديدة في بنائها الاداري والاقتصادي والعسكري، فابتعدت عن التطورات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية التي شملت اوربا في هذه المدة، ولم تعد الدولة العثمانية قادرة على استيعاب المتغيرات الحديثة. وبدات تواجه سلسلة من الهزائم العسكرية. اذ اضطرت الى التوقيع على معاهدات مهينة، منها: معاهدة كارلوفتز عام(1699) التي سلمت بها بحر المجر الى النمسا، ومعاهدة باسا روفيتز عام (1717) التي فقدت بها جزءا مهما في البلقان، ومعاهدة ياسي عام(1791) التي اذلتها امام روسيا. كما انكشف ضعفها وعدم قدرتها على مواجه الغزو الفرنسي لمصر وفلسطين وسوريا(1798- 1801). واتضحت علامات الانحطاط في تدهور النظام الاقتصادي، والفساد الاداري الحكومي، واستمرار الانتفاضات في معظم ولايات الدول العثمانية.
وشهدت منذ منتصف القرن الثامن عشر محاولات عديدة لاصلاح نظامها ومؤسساتها: الادارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على وفق الاسس والاساليب الغربية الحديثة. اذ بدا بعض السلاطين ورجال السياسة والمثقفين المتنورين المتاثرين بالحضارة الغربية، وفي مقدمتهم السلطان محمود الثاني، كذالك مصطفى رشيد باشا، رجل الدولة الذي عمل سفيرا لبلاده في باريس،يبحثون عن علاج لوقف التدهور واعادة الحيوية الى الدولة. ونتجت عن ذالك حركة لاصلاح الجيش، ونظام الحكم والادارة العثمانية التي بدات منذ تشرين الاول عام(1839) واصبحت تعرف باسم التنظيمات. كما ان حركة الاصلاح حركة داخلية بالدرجة الاولى، فمع عدم انكار دور الضغط الاوربي على الدولة العثمانية، للاخذ باسباب الاصلاح وتحقيق المساواة بين مواطنيها المسلمين وغير المسلمين، بدات الطبقة البرجوازية الناشئة في اسطنبول تساند اي اصلاح يتجه نحو تخليص البلاد من سيطرة الاقطاعيين ونفوذ علماء الدين، ورحبت السلطة بذالك الخلق هيكل جديد من الادارة والقوانين المدنية. ومن ابرز محاولات الاصلاح الغاء الوحدات العسكرية التقليدية المعروفة بالانكشارية في عام(1826)، واعادة حكم الدولة المباشر على الولايات وتحديث التعليم وذالك بتاسيس مدارس رسمية حديثة تشرف عليها الدولة.
توجت حركة التنظيمات بصدور دستور سنة(1876) ، بعد جهود حثيثة بذلها جماعة من المصلحين المتحررين على راسهم مدحت باشا. وتالف الدستور الذي ارتكز على الدستور البلجيكي من (119) مادة تليت في حفل عام اقيم في (23/كانون الاول/ 1876). واعلن السلطان عبد الحميد الثاني(1876- 1909) ان الدستور يهدف الى المساواة المدنية والسياسية للعثمانيين جميعهم. وفي هذه المدة كانت الدولة العثمانية في حالة سيئة وتعاني من الضعف والوهن وكانت قوى المعارضة السؤية للسلطان عبد الحميد الثاني قد تجمعت للعمل ضده، واستطاعت جمعية الاتحاد والترقي احدى هذه القوى بانقلاب ناجح في (23- تموز/ 1908)، ونجم عنه اعادة العمل بدستور عام(1876) المعطل منذ عام(1878) على اثر الحرب الروسية- العثمانية.
ونتيجة لهذه الحركة التي حدثت في (13/نيسان/1909) عقد مجلس المبعوثان في (27/نيسان) من العام نفسه جلسة اعلن فيها خلع السلطان عبد الحميد بتهمة تشجيع الحركة المضادة. وتم تنصيب اخيه محمد رشاد باسم السلطان محمد الخامس(1909-1918). واندلعت الحرب العالمية الاولى عام (1914) وكانت الامبراطورية العثمانية شديدة الضعف وتعاني من الفساد. ودخلت الحرب في (4/تشرين الثاني/ 1914) بجانب دول الحلف المركزي ومع نهاية الحرب، احتلت الجيوش اجزاءا من الامبراطورية العثمانية، باستثناء منطقة صغيرة في وسط الاناضول. وكانت قوى الاحتلال تشمل اليونان وايطاليا الى جانب بريطانيا وفرنسا، وتهيات حكومة كانت قد تشكلت في القسطنطينية في (اذار/1919) للعمل مع المحتلين.
وفي هذا الوقت شارك مصطفى كمال اتاتورك ومعاونه رؤوف بك في اجتماعات جمعية الموحدين التي تاسست منذ عام(1919) وعقدت لها اجتماعات عدة في (1919- 1920)، وهدفها تحرير الدول الاسلامية الواقعة تحت الانتداب والاستعمار الاجنبي وتحرير بقية الدول وتوحيدها تحت ظل الخلافة العثمانية. وشرع مصطفى كمال اتاتورك باتباع سياسة خطوة تلو اخرى للوصول الى الاهداف المركزية، فعندما وجهت الدعوة من قبل الحلفاء الى كل من حكومة انقرة، وحكومة استانبول لحضور مؤتمر لوزان عام(1922)، قرر مصطفى كمال فصل السلطة عن الخلافة، ونظرا لادراكه ان السلطان لا يمثل عرش ال عثمان فقط بل هو خليفة المسلمين ايضا، فقرر فصل السلطة كسلطة زمنية مع ابقائه على الخلافة كسلطة روحية لاستثارة الشعور الديني العميق في نفسية الشعب التركي وشعوب العالم الاسلامي. وتحت الضغط والتهديد انتزع مصطفى كمال اتاتورك موافقة المجلس على الغاء السلطة وخلع السلطان وحيد الدين الذي تسلل هاربا يوم(17/تشرين الثاني/1922) على متن بارجة حربية بريطانية، وبامر من مصطفى كمال اتاتورك انتخب في اليوم التالي عبد المجيد بن عبد العزيز(1922- 1924) سلطانا جديدا.
وخلال هذه المدة قامت حرب الاستقلال بقيادة مصطفى كمال اتاتورك، وفي بداية الامر، كانت هذه الثورة حرب على البريطانيين واليونانيين الذين احتلوا كلا من: اسطنبول وازمير وسامسون، وبعد ان استطاع طرد قوات الاحتلال تغيرت ادوات العمل السياسي في النظام السياسي العثماني، وعليه تركزت هذه الجهود منذ نجاح الحركة القومية في الاناضول على الغاء السلطة والخلافة، وتم ذالك فعلا في المدة الواقعة بين(1923- 1924). وهكذا اعلنت الجمهورية التركية وعاصمتها انقرة في (29/تشرين الاول/ 1923) واصبح مصطفى كمال اتاتورك اول رئيس لها.
المطلب الثاني/ السياسة الخارجية التركية من اعلان الجمهورية الى الحرب العالمية الثانية:
انتهجت تركيا منذ اعلان الجمهورية في (29/تشرين الاول / 1923) سياسة خارجية عكست الى حد كبير شعار مصطفى كمال اتاتورك الذي كان يؤكد مبدا "السلام في الداخل والسلام في الخارج". لذالك اصبح هدف مؤسسسي الجمهورية الاولى المحافظة على الاستقلال الوطني وحمايته. واصبحت المحافظة على سلامة الجمهورية وحمايتها هدف السياسة الخارجية التركية منذ عام (1923). وتاثرت السياسة الخارجية التركية بعمق بمفاهيم النخبة السياسية التركية منذ بداية النظام الجمهوري فيها، حيث شنت حرب التحرير الوطني(1919-1922) على جبهات مختلفة ضد اعداء اشداء في الداخل والخارج على حد سواء، وعندما تم التوقيع على معاهدة لوزان في (24/تموز/1924)صارت تركيا جارة لايطاليا- عبر جزر الدوديكانز- وبريطانيا- عبر الانتداب البريطاني على العراق في الجنوب- والاتحاد السوفيتي سابقا في الشرق.فشعر مصطفى كمال اتاتورك والنخبة السياسية انهم مضطرون لاقامة علاقات مع جيران تركيا على اسس مستقرة يمكن نظامها الفتي من العيش تحت هذا الضغط. ولم تساعد الصفات السياسية للسياسة الخارجية التنركية على تفادي تنامي الصراع والحرب مع جيرانها فحسب، بل بدا انها اظهرت استقرارا بارزا مع مرور الزمن. ومنذ لحظة تسلم اتاتورك السلطة وضع نصب عينيه مهمة تحديد طبيعة الشعب التركي، ومن ثم طبيعة الدول التركية. وكان دقيق الرؤية للقيم والمبادئ التي ينبغي ان تقوم عليها هذه الدولة. وعليها ان تكون مستقلة، وحديثة، وصناعية، واوربية التوجه، وعلمانية، وباشكال عديدة كانت هذه العناصر متبادلة الدعم تعزز بعضها البعض. وارتبطت اسس السياسة الخارجية التركية ايضا بمبدا التحضير لحرب التحرير الوطني(1919-1922)، وظلت تلك الحرب حيلة اساسية ركزت الجمهورية التركية اسسسها عليها. وينبع هذا المبدا الاساس من افتراض ان هناك وطنا قوميا للاتراك حدوده اكيدة غير قابلة للتفاوض، وثابتة غير قابلة للتغيير. وكان الميثاق القومي لعام(1919) احد اخر اعمال البرلمان العثماني رسم صورة للوطن القومي التركي مرتكزا على احصائيات السكان في ذالك الوقت وعلى حقائق سياسية لما بعد الحرب العالمية الاولى كذالك. والى جانب الاصلاحات الداخلية كان هناك نضال خارجي ادى الى قيام دولة جديدة نبعت من هدف واحد، وحدد اتاتورك هذا الهدف في خطابه التاريخي الذي القاه عام (1927) فقال "ان هدفنا الشامل هو ان نعيد للامة التركية مكانها الجدير بها في العالم المتمدن" لذالك اقامت تركيا خلال المدة التي اعقبت الجمهورية علاقات سياسية مع العديد من دول العالم، وعقدت بعض المعاهدات مع البلدان المجاورة لحل المشاكل المعلقة منها معاهدة(5/حزيران/1926) التي انهت مشكلة الموصل بين تركيا من جهة، والعراق من جهة اخرى. وتنازلت تركيا في هذه المعاهدة عن ادعاءاتها في الموصل، وحصلت كجزء من التسويق لحل المشكلة، على تاكيد اشراكها بنسبة(10%) من حصة العراق من امتياز معطى لشركة النفط التركية ولمدة (25) عاما.
وتبنى اتاتورك سياسة مفادها التقرب من الاتحاد السوفيتي سابقا وتبعا لذالك وقعت تركيا في عام(1925) معاهدة الصداقة والحياد بين الدولتين في باريس، اي بعد مشكلة الموصل مباشرة، وجددت هذه المعاهدة عام (1935) لعشر سنوات اخرى وبموجبها تعهد الطرفان بالامتناع عن الاشتراك في الاحلاف او الاشتراك في اي عمل عدائي من اي نوع موجه ضد الطرف الاخر. وقدم الاتحاد السوفيتي السابق لتركيا في عام(1934) مساعدة قدرت قيمتها بمليون دولار لانفاقها على التجهيزات الصناعية، وتسديد قيمتها دون فائدة.
ولتطوير الاقتصاد التركي من خلال خطط التطوير التصنيعي التي حاولت السياسة التركية جذب شركات الاستثمار الاجنبية ولا سيما شركات الولايات المتحدة الامريكية منذ عام(1930) اذ استثمرت رؤوس اموال الولايات المتحدة في تركيا وكانت التجارة المتكافئة مع تركيا عام (1939) لزيادة صادرات الولايات المتحدة وانعاش ركودها الاقتصادي على اساس الاتفاق المماثل عام (1934)، فضلا عن ذالك تم ارسال مستشارين ومتخصصين امريكيين لانجاز الخطة الخمسية التركية للاصلاح الذاتي، وقدموا مشوراتهم في مجالات مختلفة شملت الشؤون الثقافية والزراعية والتعدين والصحة العامة والاتصالات والتطوير الاقصادي. واسهم عملهم هذا في تطوير العلاقات التركية- الامريكية.
وبقدر تعلق الامر بالسياسة الخارجية التركية تجاه فرنسا فان سياسة اتاتورك المناهضة للامبريالية لم تمنع الاتراك من الاتفاق مع الفرنسيين على انتزاع الاسكندرونة عام (1939) من سوريا وهناك شواهد تؤكد ان الاتراك لم يعدوا ابدا ان التخلي عن الاسكندرونة لسوريا وسلطة لانتداب الفرنسي ملزمة ونهائية. وعلى كل حال، وجد الاتراك فرصة لمساومة الفرنسيين على اقليم الاسكندرونة مقابل اتفاقية للتعاون المتبادل، وكان هذا التعاون امرات مهما بالنسبة للفرنسيين لان الحرب العالمية الثانية كانت على وشك الاندلاع. ووقع البلدان ميثاق عدم الاعتداء في (23/حزيران/1939)، تم بموجبه موافقة فرنسا على الحاق ولاية الاسكندرونة بتركيا ومنحتها قرضا لشراء الاسلحة.وبهذا العمل اصبح الطريق مفتوحا امام تركيا للتعاون الوثيق مع الغرب. وهناك اتفاق مشابه لتلك الاتفاقية عقد مع بريطانيا يتمثل بتعزيز الروابط بينها وبين تركيا، اذ زار اسطول تركيا القاعدة البحرية البريطانية في مالطا، وفي (27/ايار/1938) عقد البلدان سلسلة من الاتفاقيات، حصلت بموجبها تركيا على قروض جديدة من بريطانيا. وهكذا اسهمت تلك الاتفاقيات في تحسين العلاقات البريطانية الفرنسية مع تركيا عشية الحرب العالمية الثانية.
ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا ان السياسة الخارجية التركية قبل الحرب العالمية الثانية كانت في خدمة تعزيز وتدعيم الدولة التركية الجديدة واستقرار نظامها الداخلي، وتهدف الى خدمة السياسة الداخلية وتكوين الشكل النهائي للدولة وتدعيم الاقتصاد ومحاولة عدم استفزاز الدول الكبرى والدول المجاورة.
المطلب الثالث/السياسة الخارجية التركية خلال الحرب العالمية الثانية
وخلال نشوب الحرب العالمية الثانية (1939)، كان عصمت اينونو رئيس الحكومة التركية انذاك مهتما للغاية بمستقبل العلاقات مع الاتحاد السوفيتي السابق وكان هناك حذر تام من جانب تركيا،، لانها كانت مترددة في المشاركة بالحرب، لانها تعتقد انها ستكون هدف اعتداء واحتلال الدول المعادية لها. لذالك اتخذت تركيا * موقف الحياد من خلال عدم الدخول في الحرب بشكل مباشر وذالك عن طريق اتفاقيات ومعاهدات عديدة ابرمتها تركيا مع الدول المتحاربة. ولما امتدت الحرب الى البحر الابيض المتوسط والبلقان وبعد ان هاجمت ايطاليا فرنسا، وهوجمت اليونان من البلقان، اصبحت تركيا تواجه خطر المانيا وايطاليا من ناحية، وخطر الاتحاد السوفيتي من ناحية اخرى. فاستبقت وعبات قواتها كلها، واعلنت انها ستدافع عن نفسها ضد اي اعتداء. لكنها على الرغم من التزاماتها السابقة كلها، عقدت العزم على ان تبقى خارج الحرب، الا اذا وقع عدوان مباشر على اراضيها. وضغطت عليها بريطانيا بعد دخول ايطاليا الحرب عام (1939) لتقطع علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي السابق، وتغلق بوجه دول المحور المضايق والملاحة. فقاومت الضغط محتجة ببروتكول يعفيها من اي اجراء قد يقمحها في الحرب مع الاتحاد السوفيتي السابق حليف المحور في ذالك الحين. ولما اجتاحت ايطاليا اليونان لم تستنجد بها بريطانيا خشية ان يعرضها سحب قواتها من تركيا لهجوم من دول المحور.
وفي اعقاب ميثاق الاتحاد السوفيتي السابق مع المانيا الذي وقع في 23/ اب/1939) قام شكري سراج اوغلو وزير الخارجية التركية بزيارة موسكو في ايلول(1939). ولكن الاتراك رفضوا اعطاء السوفيت ضمانات بعدم استخدام المضائق من اية دولة ضد الاتحاد السوفيتي الى ان حل ربيع عام (1940) كانت الحركة الوحيدة التي قامت بها تركيا هي غلق المضائق في عام (1939) في وجه السفن الحربية الاجنبية، تنفيذا لما ورد في المادتين(21،20) ومن ميثاق منترو. وساعد استسلام فرنسا في (26/حزيران/1940) امام الالمان، التزاما بموقف الحياد.
وعلق سفير بريطانيا في زمن الحرب العالمية الثانية على حياد تركيا في هذه المرحلة فقال" انهزمت فرنسا وخرجت من الحرب. واصبحت بريطانيا في خطر محميتين, فلو خاضت تركيا في الحال الحرب الى جانب حليفتيها لنجت من تلك الذكريات البطولية غير المجدية حول التضحية بالذات، ولكن فائدة خوضها الحرب محدودة جدا. ولو اصبحت عالة على حليفتها المنهكة بريطانيا، لالحقت بها اضرارا لا تحصى".
وحاول الحلفاء اقناع تركيا بدخولها الحرب الى جانبهم وخاصة بعد دخول الولايات المتحدة الامريكية فيها، واتفاق الحلفاء في مؤتمر موسكو وطهران*. خلال عام(1943) على ضرورة دخول تركيا الحرب في نهاية عام(1943). وجرت محاولات للضغط الدبلوماسي عليها من ذالك طلب الرئيس الامريكي(روزفلت) ورئيس الوزراء البريطاني (تشرشل) من الرئيس التركي عصمت اينونو، دعم تركيا وموافقها على ان تكون الخطوة الاولى في ذالك قيام الحلفاء باستعمال القواعد القواعد الجوية الامريكية في تركيا. ويبدو ان الاتراك شعروا ان ميزان الوى في الحرب اخذ يميل لصالح الحلفاء وان الهزائم الالمانية بدات. فوافقوا على ذالك من حيث المبدا، لكنهم جعلوا موافقتهم منوطة بتزويدهم مرة اخرى بالسلاح من الحلفاء.
واتخذوا بضع خطوات اخرى منها اعلانهم في (14/حزيران/ 1944)، ان تركيا ستغلق المضائق بوجه سفن الاسطول الالماني استنادا الى ميثاق منتروا واتفاقية (1939) بين تركيا وبريطانيا وفرنسا، ثم اعلنوا في (22/شباط/1945) الحرب على المانيا واليابان اعتبارا من اليوم الاول من اذار من العام نفسه.
ويتضح من خلال هذا العرض ان السياسة الخارجية التركية منذ تاسيس الدولة التركية الى نهاية الحرب العالمية الثانية منصبة على ان الدولة منشغلة بتعزيز نظامها الداخلي ولذالك تجنب الحروب خوفا من ضياعها بايدي الدول الكبرى في ذالك الحين، وكان هدف سياستها الخارجية ينصب في حصولها على المساعدات لترتيب بيتها الداخلي، كما ان اتخاذ موقف الحياد في الحرب العالمية الثانية كان السبيل الوحيد لتجنب الاضرار الكبيرة بسبب موقعها الجغرافي القريب من الاحداث.
المطلب الرابع/ السياسة الخارجية التركية بعد الحرب العالمية الثانية الى حرب الخليج الثانية:
وعند نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت السياسة الخارجية التركية تتجه نحو الغرب بحيث كانت انقرة تامل في استخلاص اقصى الفائدة من هذا التوجه الجديد. لما افرزته هذه الحرب من حيث اعادة تشكيل هيكلية النظام الدولي الذي اصبح قائما على اساس القطبية الثنائية الذي تميز ابتداءا بظاهرة الاستقطاب والتمركز الشديدين حول قطبين رئيسين هما الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي السابق بعدهما يمثلان قوتين عظيمتين بمقاييس التفوق التكنولوجي والصناعي والعسكري والاقتصادي والسياسي والعقائدي والجغرافي والبشري، وتلتف حول كل منهما عدد من الوحدات الاقل قوة تعتنق ايديولوجيتها وتتمثل بهما لاعتبارات استراتيجيتها الكونية.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا تشهد حقبتها الذهبية، ففي المدة بين(1945-1949) حصلت تركيا على مساعدات امريكية قيمتها(81) مليون دولار، منها(50) مليون دولار مساعدات عسكرية، وفي( 1/شباط/1952)، وبناءا على اصرار الولايات المتحدة، تم قبول تركيا رسميا عضوا كامل العضوية في حلف شمال الاطلسي.
اما على صعيد السياسة الخارجية التركية حيال الشرق الاوسط فكان الموقف التركي من المسالة الفلسطينية واسرائيل، ولا يزال، مثار جدل ومنشا خلاف اساسي بين العرب وتركيا، لان تركيا اول دولة اسلامية تعترف باسرائيل عام(1949)، وفي مناخ لم يكن العرب والمسلمون يقبلون فيه حتى مجرد التفكير بوجود هذا الكيان ويدعون الى قلعه من الجذور.
وكان لهذه العلاقة النامية مع (اسرائيل) اثرها المباشر في علاقات تركيا مع العرب وفي صيف عام(1951)، وقفت تركيا الى جانب الغرب محتجة على قرار مصر بمنع مرور السفن الاسرائيلية عبر قناة السويس. واذا كان الموقف التركي سليما من حيث القانون الدولي، فانه جاء ضربة للعلاقات التركية المصرية، واثار انتقادا مريرا في مصر. واستمرت هذه العلاقات الصعبة مع مصر بعد ثورة يوليو فيها. وفي حزيران(1954)، وجه رئيس الوزرة التركية عدنان مندريس في اثناء زيارته الى واشنطن لوما الى العرب قال فيه "ان الوقت قد حان للاعتراف بحق اسرائيل بالحياة". وشهد قيام حكومة عدنان مندريس تحولا رئيسيا في السياسة الخارجية. وبدلا من تجاهل الدول الواقعة الى الشرق والجنوب الشرقي منها، عملت تركيا على ضمها معا في حلف مؤيد للغرب، والواقع ان الحكومة التركية بدات منذ اوائل الخمسينات تعمل على انشاء اطار امني يضم الدول العربية. الامر الذي انعكس في ميثاق او حلف بغداد عام(23/2/1955)، اذ يعد حلف بغداد ابرز واهم احداث هذه المرحلة في العلاقات العربية- التركية اذ خططت الولايات المتحدة لاقامة هذا الحلف بمساعدة بريطانيا، في ذروة الحرب الباردة. وتوخت منه غايتين متكاملتين: اولاهما: التصدي للدول العربية التقدمية، ولا سيما مصر وسوريا، والالتفاف على منابع النفط، وثانيهما: احكام الطوق حول الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية. الا ان الحلف فشل في ضم دول عربية اخرى اليه، بل ادى الى التقارب بين الرياض والقاهرة ودمشق. وفي عقد الستينيات من القرن الماضي فان سياسة التوجه الاحادي الجانب الموالي للغرب طغت على العلاقات المتعددة الجوانب، الامر الذي انعكس على سياستها الشرق اوسطية ايضا. فعدم اهتمام تركيا بالقضايا الشرق اوسطية بعد الحرب العالمية الثانية، ووقوفها الى جانب الغرب، وانضمامها الى حلف السنتو، كل ذالك اعده العالم العربي ظاهرة غير صحية، لا بل وعدائية ايضا. وكان لذكريات الامبراطورية العثمانية تاثيراتها كذالك انتقال تركيا الى النظام السياسي الغربي، مما احدث حالة من التاهب والحذر في بلدان المشرق العربي تجاه تركيا، وترك اثاره السلبية على العلاقات الاقتصادية التي وصلت الى الدرك الاسفل. اذ اثر في التجربة التي مرت بها تركيا عند عرض القضية القبرصية على الجمعية العامة للامم المتحدة عام(1975)، اذ لم يقف الى جانبها حلفائها الغربيون، ودعت هذه الواقعة فضلا عن اسباب اخرى، الحكومة التركية الى اعادة النظر في سياستها الخارجية، وبخاصة مع الدول العربية وتوثيق العلاقات معها، ووقوف تركيا الى جانب العرب والمسلمين في قضاياهم المشروعة. وكانت حرب(1967) محكا للتغير التركي. اذ وقفت الى جانب العرب في محنتهم وبخاصة في الامم المتحدة. وايدت انسحاب اسرائيل من الاراضي جميعها التي احتلتها في الحرب وقابل العرب موقف تركيا من العدوان بالشكر والامتنان. وفي هذا الاطار صرح وزير الخارجية تركيا بعد يوم من وقوع الحرب"ان تركيا سوف لن تسمح باستعمال القواعد العسكرية الاجنبية الموجودة على اراضيها ضد العرب، لتحقيق سياسة الامر الواقع في المنطقة.
وفي نهاية الستينيات من القرن الماضي تميزت السياسة التركية تجاه الشرق الاوسط والدول العربية خاصة بسمات عدة اهمها:
1.عدم التدخل في النزاعات العربية، كذالك في الصراعات الاقليمية كما حدث لاحقا في الثمانينيات من القرن الماضي في الحرب العراقية الايرانية.
2.التوجه نحو اقامة علاقات اقليمية متوازنة مع الدول العربية على غرار علاقتها مع اسرائيل وايران. وكانت سوريا الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة اذ انها لا تعترف بالسيادة التركية على لواء الاسكندرونة- وتسمى في تركيا ب"هتاي"- الذي سلبته تركيا بالاتفاق مع فرنسا عام(1939).
3.تاييد المواقف الفلسطينية وخاصة بعد حرب(1967) في قضية الصراع مع اسرائيل من خلال تاكيد ضرورة تطبيق قرارات الشرعية الدولية وبخاصة القرار(242)، واتباع سياسة ايجابية في هذا السياق بعد انضمامها لعضوية منظمة المؤتمر الاسلامي عام(1976).
وعلى الرغم من هذا التطور في السياسة التركية تجاه العالم العربي الا ان العلاقات التركية- العربية بشكل عام ظلت في دائرة الشك والسلبية ويعود الامر بالدرجة الاولى الى ان البعد الغربي ظل حاضرا بقوة في سياسات تركيا الامنية والعسكرية والاقتصادية الامر الذي جعل الطرف العربي ينظر الى هذه السياسة بعين الشك والحذر والقلق.
وبدات تركيا بحلول اواخر الستينات من القرن الماضي بتطوير علاقات اقتصادية ثنائية واتصالات سياسية مع البلدان العربية. وفي اعقاب ازمة النفط عام(1973) وازمة قبرص عام(1974) وما تبع ذالك من اتصالات الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، برزت بلدان النفط الغنية، وبخاصة ليبيا والعراق والعربية السعودية وامارات الخليج كاسواق جديدة للشركات التركية الجديدة الصاعدة. وبدات شركات بناء مختلفة مشاريع درت عليها اموالا كثيرة. وعندما اندلعت الحرب العراقية- الايرانية في عام(1980) بدات تركيا العمل كطريق رئيس اوربا بين ايران والعراق. وظهر النقل البري من النشاط المتنامي بسرعة في تركيا كذالك التجارة مع الطرفين المتحاربين كليهما. وساعد تحرير الاقتصاد في ثمانينيات القرن الماضي الشركات التركية على زيادة تطوير مشاريع مشتركة برؤوس اموال اوربية ويابانية وعربية في الشرق الاوسط.
ومن الملاحظ في هذا الصدد ان تركيا بعد الانقلاب العسكري فيها عام(1980)، وعلى الرغم من اعلان الحكومة الجديدة عن مواصلة السير في ركاب علمانية اتاتورك، لكنها اخذت توثق علاقاتها بالدول العربية والاسلامية عن طريق تنشيط دورها في منظمة المؤتمر الاسلامي وتبادل الزيارات رفيعة المستوى مع البلدان العربية وخاصة مصر والاردن والعراق ودول الخليج العربي. وعلى الرغم من ان عام(1980) شهد حدثين لافتين، الاول: تمثل باغلاق تركيا قنصليتها في القدس في(28/اب/ 1980)، والاخر تخفيض مستوى تمثيلها في سفارتها في تل ابيب من قائم بالاعمال الى سكرتير ثان، الا ان العلاقات السورية-ى التركية لم تشهد اي تحسن فبعد ان تسلمت تركيا مبلغ(250) مليون دولار من السعودية مكافاة لها على تخفيض درجة التمثيل الدبلوماسي مع اسرائيل، عادت بعدها الى اتباع نهجها المعروف باسلوب الخطوتين: خطوة هنا لمصلحة اسرائيل وخطوة هناك لمصلحة العرب، وتمثل ذالك جليا بامتناع انقرة عن التصويت ضد قرارادانة اسرائيل واعتبار ضمها مرتفعات الجولان عملا غير قانوني، حين عرض على الهيئة العامة للامم المتحدة في شباط(1982).
وفي النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي نشات متغيرات عدة- عربية واقليمية ودولية- اعادت تركيا الى وضع سياستها الخارجية في اطار المعسكر الغربي. ومن هذه المتغيرات: تراجع اسعار النفط، وضغط المؤسسسة العسكرية التركية على الاحزاب لتعزيز علاقة تركيا بحلف الاطلسي واستراتيجية الولايات المتحدة. وادت هذه المتغيرات الى غض النظر"للصراع العربي- الاسرائيلي"، والى ضعف الاهتمام التركي بهذا الصراع، وبخاصة بعد التنوجه للربط بين حركة التحرير الفلسطينية وظاهرة الارهاب الدولي.
واخيرا في نهاية عام(1989) وعلى الرغم من فشل عملية السلام التي توقفت بفعل مماطلة اسرائيلية. لكن تركيا لم تجد لزاما لاعادة النظر في موقفها الرسمي حيال اسرائيل بنتيجة احداث سياسية اخرى، ولاسيما التطورات في اوربا الرسمي حيال اسرائيل بنتيجة احداث سياسية اخرى، ولا سيما التطورات في اوربا الشرقية التي شدت الاعلام والاهتمام الدبلوماسي بعيدا عن المشكلة الفلسطينية. وكان لابد من اتخاذ العوامل الجديدة الخارجة عن المنطقة بعين الاعتبار في تقرير سياسة تركيا بالنسبة للصراع. وان حكومات اوربا الشرقية التي كانت كلها باستثناء رومانيا، قد نبذت اسرائيل في السابق، عادت فنظرت في مواقفها مجددا باقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع اسرائيل. وحاولت تركيا ان تستغل الاطار الدولي المتغير لتعزيز علاقاتها باسرائيل في ميادين عدة. خصوصا بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي.
بابەتی زیاتر