الجريمة المنسية. حول الانفال وجرائم الابادة الجماعية في كردستان
تاليف: نجم الدين فقي عبد الله
التصميم والغلاف: اميره عمر
لوحة الغلاف: الفنان عثمان قادر
رقم الايداع: (1502) لسنة 2012 المديرية العامة للمكتبات العامة
عدد النسخ: (2000) نسخة
التسلسل: (462)
من منشورات اكاديمية التوعية وتاهيل الكوادر
المشرف على سلسلة الكتب:عثمان حمه رشيد
ان سلسلة الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي السابق ضد شعوب العراق والمنطقة، طويلة جدا. جلها تدخل ضمن الجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية (الجينوسايد). ليس من المعلوم ان كان ذالك من سوء حظ ضحايا النظام ان ينسى العالم حقوقهم، ام كان ذالك تعبيرا عن حسن حظ صدام حسين واركان نظامه؟ ام انها المصالح السياسية التي تتحكم في النهاية بنسيان او عدم نسيان، اثارة او عدم اثارة جرائم الابادة الجماعية المرتكبة ضد هذا الشعب والعرق او تلك المجموعة والطائفة، سواء في العراق او في بقاع العالم الاخرى. فلا عجب ان ينسى العالم بشكل جزئي او كلي ما ارتكبه صدام حسين ونظامه من جرائم الابادة الجماعية تجاه كرد العراق او شيعته، تجاه شعب الكويت والشعوب الايرانية او مسؤوليته عن تدمير العراق وجعل شعبه من اذل الشعوب في الشرق الاوسط ان لم يكن في العالم كله.
كان لاكراد العراق حصة الاسد من عمليات الابادة الجماعية تلك، وفي الوقت نفسه فان الضحايا الكرد هم الاسوا حظا والاكثر نسيانا لسبب بسيط جدا، وهو ان الكرد كشعب وقضية وحقوق ليسوا في الواقع الا لعبة لا حول لها ولا قوة في بحر المصالح السياسية المتلاطمة للقوى الاقليمية والدول الكبرى. فحتى غالبيا الاحزاب السياسية الكردية المعروفة لا يهمها العمل من اجل محاكمة ومعاقبة مرتكبيها، ولا تذكرها الا في المناسبات السنوية على سبيل الدعاية الرخيصة السياسية بهدف زرق الراي العام بابرة مورفين اضافية. فلا عجب اذن ان تكون اكبر عملية قتل جماعية نفذت بحق اكراد العراق في تاريخه المعاصر قد ادخلت منذ بدايتها في طي النسيان عمدا، حتى ان المحاولة الجبارة التي قامت بها منظمة معروفة بهيبتها ودفاعها عن حقوق الانسان كمنظمة(مراقبة الشرق الاوسط) التابعة لمنظمة(مراقبة حقوق الانسان) وذالك عن طريق اصدارها لكتاب (الابادة الجماعية في العراق:حملات الانفال ضد الكرد)(الصادر في 1993) من اجل رفع الستار عن الحقائق المتعلقة بتلك الجريمة،..اقول: لم تؤد تلك المحاولة لحد الان الى النتائج المرجوة من حيث محاكمة كافة المشتركين في تلك الجريمة، ومعاقبة الشركات التي قامت بتزويد النظام العراقي بالمواد والاسلحة الكيميائية، واماطة اللثام عن ملابسات الجريمة كاملة، وتعويض اهالي الضحايا... لذا ان ما نقصد استذكاره وبحثه هنا ليس الا محاولة اولية للتعريف بالجريمة التي تم تنفيذها عن طريق سلسلة من العمليات العسكرية التي قام بها الجيش العراقي في كردستان خلال الفترة من شباط الى ايلول من عام 1988 تحت اسم ((عمليات الانفال ))، وقد اعتمدنا في بحثنا هذا على الكتاب المذكور اعلاه الصادر من قبل منظمة (مراقبة الشرق الاوسط)، وكذالك النسخة الكردية لكتابنا الموسم ب((محروقات الموت: حملات الانفال على كردستان من خلال وثائق النظام العراقي)) الصادر في كردستان في عام 1995، اضافة الى اعتمادنا على الارشيف الوثائقي الخاص بنا.
*تعتبر حملات الانفال التي نفذها النظام العراقي السابق ابتداء من شهر شباط لغاية ايلول من عام 1988 والتي تضمنت ثمانية مراحل او هجمات عسكرية متعاقبة ومتداخلة، واحدة من اكبر الجرائم والتهم التي يمكن تسجيلها ضد هذا النظام لانتهاكه حقوق الانسان وارتكابه جرائم ضد الانسانية في كردستان. فقد استهدفت بشكل مباشر تدمير ما تبقى من المناطق الريفية وابادة سكانها سواء عن طريق القتل المباشر ميدانيا بالاسلحة الفتاكة والاعتقال الجماعي لهم، ومن ثم نقلهم واخفاء اثرهم في صحاري غرب وجنوب وجنوب العراق، او في احسن الاحوال تجميع المحظوظين منهم في المجمعات القسرية الشبيهة بمعسكرات الاعتقال والمنتشرة في مناطق عديدة من كردستان.
*لكن السؤال الاهم يدور حول عمليات الاعتقال الجماعي المنظم لعشرات الالاف من ساكني القرى من المدنيين العزل حيث مصيرهم مجهول لحد الان.
في ذالك الحين كانت هناك شائعات واقاويل كثيرة وتصورات منتشرة بين الاكراد عموما تشير في مجموعها الى احتمال بقاء اولئك المعتقلين على قيد الحياة، وذالك في زنزانات خفية كبيرة مشيدة تحت الارض في اماكن لم يعرفها الا صدام حسين وكبار المسؤولين في القيادة العراقية وقلة من افراد البوليس السري الخاص.
وقد انتشرت شائعة اخرى في حينها كانت تعتمد في منطقها على الماهية الفاشية لصدام ونظامه الارهابي وتؤكد على فرضية عزل الاطفال من سن الثالثة وحتى السابعة والثامنة من عائلاتهم، وذالك بعد ايام قصيرة من اعتقالهم مع ذويهم خلال حملات الانفال، ومن ثم وضعهم في معسكرات خاصة، مغلقة ومعزولة في الصحراء الجنوبية الغربية تحت اشراف خاص لاجراء غسيل دماغ شامل لهم وغرس اسوا انواع التربية اللاانسانية فيهم بهدف خلق مجموعات بشرية خاصة جدا بحيث يمكن استخدامهم مستقبلا كالات بشرية لتنفيذ جميع الاوامر الخاصة بالقتل والتعذيب والتدمير التي تتطلبها دولة ارهابية منظمة كدولة صدام حسين.
كذالك ظهرت شائعات اخرى في السنوات الاخيرة مفادها بيع اعداد من الفتيات الكرديات الى بعض الاغنياء من الدول العربية والاسلامية او الى بعض اصحاب المواخير في مصراو ...الخ.
*مع عدم وجود احصائية دقيقة 100%، الا ان تقديرات منظمة مراقبة حقوق الانسان الدولية (خاصة قسمها الخاص بمراقبة الشرق الاوسط)، اضافة الى احصائيات(لجنة الدفاع عن حقوق ضحايا الانفال) تشيران الى ان عدد الضحايا يتراوح بين خمسين الف الى سبعين الف ضحية من الذين اعتقلوا وسيقوا الى مصير مجهول خلال عمليات الانفال فقط.
*ان اكثر من 75%من ضحايا الانفال في كردستان هم من المنطقة او المثلث المحصور بين حدود محافظات كركوك وديالى والسليمانية والمسماة ب(كرميان) ضحت بما يقارب من نصف عدد سكانها خلال عمليات الانفال الثانية(22-28-3-1988)والثالثة(7-18-4-1988) التي بلغت اكثر من 60000ستين الف ضحية، حسب الاحصائيات الميدانية ل(لجنة الدفاع عن حقوق ضحايا الانفال).
*بالرغم من كل ما فعله النظام العراقي لاخفاء اثار جريمته، كانت الجريمة من الكبر بحيث لم يستطيع اخفاء معالمها واثارها ومخلفاتها والادلة المختلفة على ارتكابها في جميع انحاء المناطق الريفية من كردستان.
فالالاف من المعتقلين الشيوخ والنساء الاطفال ممن افرج عنهم بعد اشهر من الاعتقال والتعذيب النفسيي والجسدي في المعتقلات المذكورة سابقا، هم شهود عيان على تفاصيل كيفية تنفيذ الجريمة في المناطق المختلفة من كردستان، وكذالك في المعتقلات والمناطق الصحراوية الجنوبية الغربية من العراق، هذا اولا. كذالك فان ما يربو على ثمانين الف شخص من القرويين في منطقة بهدينان من الذين اضطروا الى تخطي وتجاوز الحدود الدولية صوب تركيا والبعض منهم صوب ايران خوفا وهربا من جحيم حملات الانفال السادسة والسابعة والثامنة خلال اشهر حزيران، تموز واب من عام 1988، هم ايضا شهود عيان على جرائم الجيش العراقي. وثالثا، فان جميع الناجين من عمليات القتل الميداني والاعتقال الجماعي، الذين استطاعوا الهرب الى المدن والقصبات والمجمعات القسرية يعتبرون ايضا من شهود العيان على كيفية تنفيذ حملات الانفال، وخاصة عمليات جمع واعتقال الضحايا وملاحقة البقية منهم. ورابعا فان الصور الحية لاطلال مئات القرى المدمرة، هي ايضا بمثابة شهادات حية على اكبر جريمة قتل جماعي بحق شعب يعتبر افراده الباقين على قيد الحياة ضحايا احياء لتلك الجريمة. اضف الى ذالك، كنقطة خامسة، المئات من قادة المرتزقة الاكراد الذين قادوا عشرات الالاف من المرتزقة وشاركو فعليا في تنفيذ حملات الانفال كادلاء للجيش العراقي المهاجم. ان القسم الاكبر من اولئك المرتزقة، يعيشون حاليا في كردستان وتحت كنف الاحزاب الكردية، بمن فيهم بعض احزاب المعارضة، وذالك كشكل جديد للارتزاق السياسي، محتفظين بمكانتهم الاجتماعية ووضعهم المادي المرموق الذي اكتسبوه خلال سنوات خدمتهم كمرتزقة لدى النظام البائد. فيمكن اعتبار هؤلاء مصدرا حيا لرفد المعلومات الميدانية عن تفاصيل جريمة الابادة الجماعية لجزء من شعبهم اضافة الى كونهم متهمين قانونيا بالمشاركة في تنفيذ الجريمة، خاصة في جزئها الخاص بجمع وملاحقة واعتقال الضحايا اسوة بالجيش العراقي. وكنقطة سادسة، هنالك عدد قليل جدا من شهود العيان الذين عاشوا تفاصيل جرائم الابادة الجماعية خلال عمليات الانفال منذ بدء هجمات الوحدات العسكرية والاعتقال الجماعي لاهالي القرى حتى تسفيرهم الى حافات القبور الجماعية في الصحاري الغربية والجنوبية الغربية. وهؤلاء قد نجوا باعجوبة من القتل والدفن احياء خلال لحظات الدفن الجماعي للمعتقلين بعد اطلاق النار عليهم على حافات الحفر الترابية الكبيرة التي كانت مهياة مسبقا بمساحات تصل في بعضها الى اكثر من مائة متر مربع وباعماق تتراوح بين اربعة الى خمسة امتار مشكلة بذالك سلاسل غير معروفة العدد والمسافات من المقابر الجماعية لذالك الخليط البشري لمختلف الاعمار.
*الادلة الوثائقية والميدانية المتوفرة هي اكثر بكثير مما تحتاجها اية محكمة دولية او وطنية لادانة جميع الذين شاركوا في اقتراف جرائم الابادة الجماعية بحق الشعب الكردي((فجريمة الابادة الجماعية باعتبارها جرائم ضد الانسانية تشمل القتل والابادة والترحيل القسري. ووفقا لنصوص مواد اتفاقية منع جرائم الابادة الجماعية، تعتبر العمليات العسكرية التي استهدفت سكان مدينة حلبجة بالسلاح الكيميائي في اذار عام 1988، وكذالك عمليات الانفال من العام نفسه على مناطق واسعة من كردستان... واستعمال الاسلحة التدميرية ومنها الاسلحة الكيمياوية المحرمة دوليا، جريمة من جرائم الابادة الجماعية، وهي جريمة دولية بمقتضى القانون الدولي تتعارض مع روح الامم المتحدة واهدافها ويدينها العالم المتمدن، وهي تمس المجتمع الدولي...)).
ان عمليات الانفال لا يمكن اغلاقه فقط بمحاكمة صدام حسين وعلي حسن المجيد، ولا يدخل هذا في طي النسيان، في حين ان المئات من المشاركين في تنفيذ المراحل المختلفة من الجريمة ما زالو يحتلون مراكزهم الاجتماعية معززين مكرمين وامام مراى الضحايا الاحياء.